وجدان لا يندثر

كتبهاقويدر النديم ، في 15 يونيو 2008 الساعة: 12:05 م

رن هاتفي صباح اليوم و على غير العادة كان الرقم لمجهول و حين رفعت السماعة   قابلني الصوت بعاطفة غطتها لهجة المختلفة و التي لم أتعود سماعها منذ مدة و ابتدأها بالسلام و السؤال عني و عن أحوالي و لما طلبت معرفة من يكون امتنع عن كشف هويته . قلت له ربما كنت مخطئا و تريد شخصا غيري , فذكر لي اسمي و جزء قديما من سيرتي و مما عايشته قبل 15 سنة فتأكدت أنه كان قريبا مني لدرجة كبيرة خاصة لما ذكر بعض أسراري و التي نسيتها أنا نفسي , فأحياها من سباتها و أشعلها كأنها حدثت بالأمس , فقلت في نفسي سبحان الله كيف لي أن أتجاهل ما مضي من أخصب أيام عمري بهذا الشكل .
بعد طول حديث و الذي لم يقطعه رغم تزايد تكلفة المكالمة فتأكد لي من خلال تلميحاته اشتياقه لتلك الأيام التي كنا فيها أعز الأصحاب . بينما كان كل تفكيري  في تلك اللحظات محصورا في استنتاج شخصية المتكلم و ذلك من خلال ربط أحداث الذكريات بصور الأصدقاء الباقية في الذاكرة ثم حاولت استنتاج شخصه من خلال طريقته في النطق , و قد خاب ظني في قدرتي و التي كان البعض يعتبرها قدرة كبيرة و كنت أعتبر أني ذا فراسة لكني فشلت و الأسوأ أن الشخص كان ولا بد أحد الذين كانوا الأقرب إلى قلبي .
لما طلت المكالمة كثيرا ألححت عليه فعرفني عن نفسه بحدث لا ينسى , فتذكرته و لكن و للأسف مرة أخرى لم أتذكر اسمه فمهمت من وقع الصدمة فشككته في بعض تفاصيل الحداثة حتى يذكر لي اسمه ليؤكد على كلامه و بعد مراوغات مني ذكر اسمه مستغربا . إلا أني دفنت استغرابه ـ عن عمد ـ بعيدا عن وعيه بذكري لأحداث أخرى أكثر تشويقا فتجاوب معها و نسي أنه قد تلاعب بذاكرتي و بعاطفتي و رحت أتوغل في ذاكرتي المنسية و أعيد اكتشافها من جديد .
بعد أن اطمأننت في الحديث قطعت المكالمة من هاتفي بعد أن استأذنته و عاودت الاتصال به كي أخفف عنه الفاتورة .  لكنه تفطن , فلامني  و عزم علي أن أنتظره حتى يعاود هو الاتصال من جديد و قد فعل .
 
أكملنا الحديث مجددا و رحت أسأله كما سألني فوجدته كما كان سابقا : طموح لاينتهي و عزيمة قوية و تجديد دائم , ففرحت كثيرا بذلك , أليس هو جزء مشرقا في ظلمات ذاكرتي!

استعدنا الأحداث في الأزمة التي ألمت بالبلاد عندما كنا جامعة باب الزوار في الجزائر العاصمة و ذكرنا المسيرات و المظاهرات حيث كنا من أنصارا الجبهة الإسلامية للإتقاذ و ذكرنا قراءاتنا لكتب مالك بن نبي رحمه الله .
كانت هذه المكالمة باختصار رحلة وجدانية أحييت فيها الكثير من العواطف التي ظهر لي الآن فقط  أنها لا زالت متأججة بداخلي . كانت هذه الرحلة من ماض أبتعد عن وعيي تحت طبقات الحاضر المتراكم بكثرته و التافه تكراره .
بعد انتهاء المكالمة  ايقنت أن السنين السابقة لا تزال حية في ذاكرتي من خلال الوجدان الحقيقي ذي الرائحة العطرة التي تنتقل عبر الأزمان بدون أن تتغير أو يقل عبقها .
أملت بعدها أن تكون ذاكرة شعوبنا  لا تزال مرتبطة وجدانيا بماضينا المجيد و تنتظر من يهتف لها ليحييها كما فعل صاحبي هذا   .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

8 تعليق على “وجدان لا يندثر”


  1. قويدر ..أخى

    ذاكرة الأوطان لا تموت ..

    و لابد أن يجيئ من يوقظها

    من ثباتها ..

    دمت بخير ولك الود.

  2. صدقت يا هند

    ذاكرة الأوطان لاتوت

    و اخراجها من تحت الركام يحتاج لخبير

    أشكرك

  3. أخي الفاضل …قويدر

    مررت للإطمئنان عليك

    بارك الله في قلمك ورزقك الاخلاص

  4. قلم رائع وانسان اروع

    الاوطان هى اجمل الاماكن التى تحتضن الانسان

    خالص الود

    الخيال

    http://www.al-keel.com

  5. المهندس الفاضل هيثم خليل

    طمأنك الله في الدنيا و الآخرة

    أشكرك يا غالي

  6. أخي ماهر

    جمعنا تسمية الخيال و ستجمعنا بإذن الله المحبة فيه و الرغبة في الكتابة الصادقة

    تحياتي إليك

  7. السلام عليكم

    لا أعرف أيحتوينا الزمن أم نحتويه أم أن لكل منا زمنه الخاص بتفاصيله الدقيقة الفسيفسائية..؟؟؟

    تحياتي لقلم رائع

  8. دكتورة أسعدني جدا تعليقك و أعتذر عن التأخر في الرد

    اسعدني أيضا مرورك بتساؤل عميق يبقى مفتوحا دائما لأنه أكبر من أن يوضع داخل إجابة

    مع ذلك فلي حتما زمني الخاص ـ و لو بصفة نسبية و شفافة ـ انطلاقا من تجاربي و القراءات التي قدمها لي عقلي

    تحياتي و تقديري لك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر