حياة غافل 1

كتبهاقويدر النديم ، في 6 أبريل 2007 الساعة: 01:34 ص

 

- المشهد الأول
اقترب من بيته يحمل قفة مملوءة بالخضر و الفواكه و بها قطعة من اللحم و زجاجة قازوز و هو يدعو الله ألا يراه جيرانه و ألا يصادف أبناءهم في طريقه فلطال ما شح على أهله و لم يحضر مثل هذا , كانت ابنته الصغيرة تلعب بالقرب من الباب , عندما رأته صاحت به بابا بابا فأحس و كأنه فضح , أراد إسكاتها من غير أن يرفع صوته فلم يقدر و كلما فعله هو الإسراع بفتح الباب و الدخول , تثاقلت اللحظات قبل أن يدخل وعندما دخل وأغلق من ورائه الباب أحس بالأمان التام , اقترب من زوجته و أولاده و هو يخفي ابتسامة و يحاول ألا يظهر اهتمامه بالقفة و كأنه متعود على ذلك

وقال هاكم , ساد الصمت أرجاء البيت لفترة قصيرة بدت له ذات معنى , لم يحاول أن يفهم فانسحب . أما هم فكانت نظراتهم الباسمة لبعضهم قد شرحت كل شيء , حاولت الزوجة التكفير عن ذنبها من هذه البسمة - و في نفس الوقت كانت تبدوا لها لحظة وفاء لزوجها – بأن أمرت ابنتها خديجة بفتح القفة فكانت خديجة تخرج الشيء من القفة و ترفعه عاليا ليراه الجميع و هي مبتسمة و تنظر إلى أمها , فاستفز هذا الابن أحمد فصاح قائلا : ماذا تفعلون . . . ؟ و قبل أن يكمل كانت الأم قد انتفضت و لملمت القفة و طلبت من خديجة أن تتبعها إلى المطبخ .

-        المشهد الثاني
و قف لأداء صلاتي الظهر و العصر قبيل أذان المغرب فكان سرواله الأسود منسدلا محدثا تعاريج شاقولية تحت الركبة و كان يبدو طويلا جدا و كان قدميه يطلان من سرواله و كأنهما شديدي البياض . اتجه في صلاته عموديا مقابل الجدار رغم المرات العديدة التي سمع فيها أن اتجاه القبلة ينحرف قليلا إلى اليسار , كان قد أمال برأسه إلى أسفل و رفع يديه عاليا أعلى من اللازم و كبر وبدأ يقرأ بصوت مسموع فقرأ لأول مرة في حياته : قل يا أيها الكافرون , أدى الركعتين الأوليين ببطء فقرأ في الثانية آية الكرسي لكنه أسرع قليلا في البقية , لاحظ أحمد أن أباه لم يرفع يديه عاليا في صلاة العصر كما في الظهر و أنه لم يجهر كما جهر في المرة الأولى , كما استغرب أنه يحفظ قل يا أيها الكافرون رغم تعقيداتها و تعقيدات والده , وفرح أن يرى أباه يصلي .

-         المشهد الثالث
أمر ابنه أن يطفئ التلفاز لكي يسمع أذان المغرب فلم يتردد بإطفائه و لم يحتج أحد على ذلك في عائلة كلها لا تصلي و مدمنة مسلسلات و بدا الرضا على الجميع .

-         -المشهد الرابع

بعد وجبة دسمة يأمر العائلة بأنه يجب عليهم زيارة دار خالته , فقال : لقد قصّرنا كثيرا في حقها ولم نزرها منذ عام فهي ليس لها و لي و لا معين و النبي يأمرنا بصلة الأرحام كما أنها تحب أن يزورها الأولاد فهي دائما تسأل عنهم كما أني أريد أن أصلي العشاء في جامع سي مسعود .

بعد لحظات كانت العائلة كلها جاهزة تملأها الحيوية و كأنها في عيد , فوقف الجميع خلف الأب تنتظر منه الخروج أولا , خرج من الغرفة يظهر الجد و العزم فأعطى مجموعة من الأوامر التي ستنظم الزيارة منها أنه يجب على الأولاد ألا يزعجوا الحاجة و أن يلتزموا بالهدوء و الأدب , ثم فتح الباب و خرج فتبعه الجميع .

-         - المشهد الخامس
طرقات شديدة لكنها متقطعة , الخالة تصفق و هو يرد افتح . . . افتح ، الخالة تقترب من الباب و تصفق من جديد , أحمد ينادي أحنا دار المبروك يا عمتي افتحي . العمة تفتح الباب فيحتضنها المبروك و يقبل رأسها و يقول مازحا لو تعلن الحرب أول واحد يطلبوه هو أنت فترد بصوت اختلطت فيه الفرحة بشيء من اللوم و التحسر: يا ولدي و اش عجبهم في عجوز كيما أنا , فتتقدم الزوجة لتقبلها وهي تقول ماتسمعيلوش يا حاجة راكي عارفة طبيعة ابن أختك , يتتابع الاولاد في تقبيل راس الحاجة لأول مرة ، أما هي فقد أزاحت من نفسها الغضب و اللوم و حل محلهما العاطفة الصادقة الممزوجة بالحكمة الناجمة من تجربة سبعين سنة .

- المشهد السادس
ينهض مبكرا و يؤدي صلاة الصبح يأخذ المصحف و يفتحه عشوائيا فيقرأ : سم الله الرحمن الرحيم (وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . . .) أعجب بالآية و أخذ كل مرة يكررها و أعتبرها فألا حسنا . . لكنه بعد لحظات من التفكير اعتبر استفتاحه بتلك الآية معجزة . . . نعم معجزة و يالها من معجزة
لما لا فهو ليس أقل من غيره فالناس يحكون عن أساطير حدثت للكثيرين رغم أن لهم قلوب ليست أقل صفاوة من قلبه

عزم أن يحكيها لزوجته و ابنه أحمد الذي دائما يرى في عينيه إنكارا لتصرفات أبيه , لكنه تراجع بعد لحظات .

-        المشهد السابع

إذا لم تستح فاصنع ما شئت

خرج صباحا لا يقصد مكان محددا فوجد مجموعة من أصدقائه (أقصد معارفه) فهو ليس له أصدقاء وجدهم مجتمعين يبدوا عليم الحزن , سألهم : فأجابوا صديقك عامر مات في حادث , ابتسم , استجمع قواه ثُم كمش فمه و أظهر الحزن , تراجع للحائط و سكت بعدها استغرق في صنع تفاصيل الحادث من خلال الاستفهامات التي يبدها بعض الحضور و يجتهد في الإجابة عنها البعض الآخر من خلال إرهاصات و أمزجة و قليل من الحقائق المتوفرة , كان الكلام يتداخل مقطعا دون انتظام يتخلله صمت من حين لآخر.

المبروك شعر بقلق , أراد الانصراف و كيف له ذلك و العيون كلها مشدودة لأي حركة من أي من الحضور, منع نفسه من الحركة , أخيرا اغتنم أول فرصة حين جاء أحد أقارب الميت فانسحب ببطء دون أن يلتفت خلفه , قال بصوت خافت الحمد لله أنني لم أكن أنا الميت .

المشهد الثامن

لا أحد يستطيع إهانتك إلا بمساعدتك

ت خافت الحمد لله أنني لم أكن أنا الميت .

في الشارع الذي حرمه على نفسه لعدة سنوات مشت به رجلاه من غير أن يشعر و قد تاه خياله في مواضيع شتى , سمع صوتا يناديه , يا المبروك يا المبروك , التفت فرأى ابن عمه عبد القادر و رأى أنه عبر الشارع الخطأ , أحس كأنه ارتكب إثما و لكن ما شغله هو كيف يتخلص من ابن عمه و يغادر الشارع في أقرب وقت ممكن .

قال عبد القادر : وراك يا المبروك ألا تأتينا , ألا تعلم الله حرم الجنة على قاطع الرحم .

أحس المبروك كأن الشارع قد ضاق به فكم يكره أن يلومه أحد و كم يتأذى إن اعتمد من يلومه على نص ديني لا يستطيع رده خاصة إن كان واضحا و صريحا بل و نتيجته المباشرة الدخول إلى النار , فقال في نفسه و هو يكاد ينفجر غيظا و غضبا كيف لهؤلاء الأميين أن يحفظوا النصوص التي تدعم حججهم و هو لا يجدها و إن حاول البحث عنها , كظم المبروك غيظه و قال : أظنني لن أدخل الجنة حتى ولو سكنت عندكم في نفس الدار

قال عبد القادر: واش راك تشوف فينا , كفار ؟

استغرب المبروك أن عبد القادر قد رجع للدفاع و قد كان البادئ بالهجوم , فأحس أنه يستطيع السيطرة على الموقف , استجمع نفسه و نظر إلى الشارع ليرى تفاصيله كما لم يرها من قبل , ثم نظر لعبد القادر نظرة الأستاذ إلى التلميذ و قال : يا عبد القادر لو رأيتم ما بنا لعذرتمونا كما نعذركم و هذا لا ليس عذرا لكن الدنيا اليوم تغيرت و المشاغل كثرت فلو بقى الإنسان ساعة واحدة أمام التلفزيون لامتلأ قلبه هما و لنسي أقاربه و أحباؤه ،

و يكفينا أن نشاهد إخواننا في العراق أو في فلسطين . .

قاطعه عبد القادر قائلا هل صحيح يا المبروك أن صدام سيعدمونه ؟

أدرك المبروك أن ابن عمه عندما لامه على عدم الزيارة لم يكن صادقا فقد غير الموضوع بسهولة و استجاب له عندما ذكر النقاش الذي يحبه الناس و يهربون به من واقعهم و يغطون به هزائمهم .أحس المبروك بالانتصار و شعر بالثقة بالنفس من جديد حيث أنه أنساه في هجومه الأول فتمادى معه في السياسة ثم انصرف و هو يكلم نفسه : هل صحيح أن هؤلاء الناس يعتقدون فعلا أن قاطع الرحم لايدخل الجنة

-          

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “حياة غافل 1”

  1. أقدم تهاني الحارة للكاتب وشكرا

  2. مشكور الاخ على المحاولة رغم ما ياخد عليها

  3. كان الله في عون المبروك والف مبروك على عودة المبروك

  4. gggggggg



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر