قافلة أم حافلة
كتبهاقويدر النديم ، في 23 يوليو 2007 الساعة: 10:33 ص
أعددت مع جدي العدة اللازمة و بها كلما يلزمنا لهذا السفر الطويل و اخترنا القافلة و الرفقة التي سنذهب معها
كنت دائما استأنس بجدي الذي كان رفيقي الدائم منذ أن استشهد والدي في إحدى غزوات أمير المؤمنين .
لما اقترب الرحيل ازددت شوقا و عددت الأيام عدا حتى جاء اليوم الموعود فانطلقنا إلى مكان تعبر منه القوافل , لما وصلت قافلتنا رأينا بها خلق كثير , كانت أصوات الناس و العير تتعالى .
انطلقت الحافلة من جديد فأخذت جدي حكمة الكبار فصاحب في مؤخرتها مجموعة من الشعراء و الأدباء و ممن يروون أيام العرب أما أنا فقد استهواني الحديث مع كهل كان يسير أمامي راكب على بغلة .
كان طويل الشعر كثيف اللحية رث الثياب و لا تظهر عليه البداوة .
اقتربت منه وقلت : من أي البلاد أنت يا أخ العرب ؟
قال و عليه رجفة : الجزائر العاصمة
قلت : أنا لا أعرفها
قال :أنتم أهل الصحراء تسمون منطقتنا التل لأن أراضيها خضراء و الجزائر تقع في هذا التل , أفهمت ؟
قلت مستفهما و مستغربا :أنت حجازي أم يمني إذن ؟ و لا أظنك من أهل البصرة !
قال : ما الذي يعنيك في أصلي ؟ على العموم أظن أن نسبي خليط من العرب و البربر
قلت : أأنت ذاهب إلى بغداد ؟
قال : أما تعلم أن هذه الحافلة ذاهبة إلى قلب الصحراء أدرار , و على العموم فسأتوقف عند مدخل تيميمون
قلت : يا رجل لم أسمع بأدرار هذه و لا تيميمون
قال : يا أخي أدرار بعيدة بتسعمائة كيلومتر و يلزم ما يقارب اليومين للوصول إليها , و الله يصبرني على رفقتك هذه !
قلت : لم أفهم شيئا مما قلت ! و لكن ما الكيلومتر و ما تيميمون و ما الحافلة و من هم البربر ؟
قال و قد اشتاط غضبا : لا تحاول أن تفهم و الأفضل أن تغير مكانك و لو تجلس في مؤخرة الحافلة سيكون أفضل فهناك أماكن شاغرة .
زادت حيرتي و انشغلت أفكر في كلامه إلى أن قطع صمتي شيخ أبيض اللحية حيث همس في أذني قائلا :إن هذا الرجل مجنون و هو على هذا الحال منذ عشر سنين و لن تفهم كلامه ويستحسن أن ترجع لمؤخرة القافلة و تستمتع بما يروى عن أيام العرب لأنه أفضل لأمثالك .
تجاهلت نصيحة الشيخ و لحقت بالتلي و بادرته قائلا : يا تلي ! ما حملك على السفر في هذا الحر و ليس لك متاع و لا صاحب .
قال : لقد طردت من العمل عندما تخلت الدولة عن الإشتراكية و حلت مؤسستنا و باعت عتادها رجال الأعمال , تسكعت في الشوارع زمنا ثم التحقت بحزب اسلامي فاعتقلتني الدولة بعد أن حلّت هذا الحزب ثم قتلت و اعتقلت أغلب مناضليه و انصاره ..قاطعته كنت أخفي ابتسامتي : أليس حزب أمير المؤمنين - آل العباس -حزبا إسلاميا .
أكمل كلامه رغم غضبه البادي على وجهه قائلا : اعتقلوني مدة طويلة دون محاكمة و كانت تأتينا أخبار المجازر التي أرتكبت و أخبار ذبح النساء و الأطفال فأزداد تألما و لما خرجت من السجن وجدت عائلتي مشردة ووجدت بيتي قد بيع و زوجتي تشتغل في بيوت الناس ولم يرحم أهلي أحد , فأقاربي و جيراني أعمتهم الدنيا و انغمسوا في الملذات و الفساد و حكومتنا حاربت الإسلام و الإسلاميين و أشاعت الفساد في البلاد , فلما ضاق بي العيش اخترت المجيء إلى الصحراء لأعيش بعيدا عن الناس و بعيدا عن الدولة.
استغربت مما قال لي و حرت في انتظام كلامي و إن لم أفهم معظمه و كدت أصدقه !!.
نادني جدي بعدما تفرغ لي فذهبت إليه و رويت له بعضا مما حكاه لي التلي
فقال جدي: هذا نذر سوء فلا ترجع إليه ثانية.
وبعد مسير يوم انحنى ذاك التلي ببغلته و أخذ طريقا آخر , أما نحن فواصلنا طريقنا و قبل أن ندخل بغداد جائنا نعي أمير المؤمنين هارون الرشيد وما لبثت أن جاءتنا أخبار الفتنة بين الأمين و المأمون .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر | السمات:خواطر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























يوليو 23rd, 2007 at 23 يوليو 2007 12:03 م
السلام عليكم
تحية طيبة ….أكثر ما أعجبني في هذا الموضوع هو المزج بين الشخصيتين احداهما في زمن الخليفة هارون الرشيد و الأخرى على حد علمى الواقع الجزائري حاليا وليس حال الدول العربية ببعيد
وكان لك لمسة جمالية في الحوار التاريخي للشخصيتين و نرجو أن تفدنا بمخزونك المعرفي
يوليو 23rd, 2007 at 23 يوليو 2007 1:46 م
أخي محمد صالحي
أشكرك على كلماتك الطيبة و هذا يدل على أصالتك
تحياتي
يوليو 23rd, 2007 at 23 يوليو 2007 6:56 م
طال زمن الفتنة اخي الكريم
ربنا يخرجنا منها على خير
ربنا يعيدنا الى دينه عودا حميدا
سياحة في التاريخ والواقع
ما اجملها لو ان الخط كبر قليلا حتى لا يتعبنا طول النظر فيها
تقبل احترامي وتقديري
يوليو 23rd, 2007 at 23 يوليو 2007 8:42 م
أستاذنا الفاضل
آمين آمين على أدعيتك
و انشاء الله تخرج أمتنا من هذا النفق المظلم
تحياتي القلبية
يوليو 23rd, 2007 at 23 يوليو 2007 9:31 م
أخي الغالي قويدر ووصلنا إلى زمن الرويبضة .. إلى زمن الفتنة وسطوة العسكر … إلى زمن ضاعت فيه سماحة هارون الرشيد حيث غطرسة الولاة الجدد … إلى زمن نعي فيه هارون الرشيد يوم نعيت الحرية …
كوني جزائري .. وكوني عشت التجربة لا أجد إلا أن أشيد بهذه الرمزية العالية وبهذه القدرة على التوظيف … بحق مقالك رائع يستحق الإشادة .
مودتي وإحترامي .
أخوك .
يوليو 23rd, 2007 at 23 يوليو 2007 10:06 م
اااااااااااااااااااااااااسف
اسمح لى ان يكون تعليقى مناشدة لنصرة نبيك الكريم
( رسوم مسيئة مرة ثانية )
فى السويد ارجو زيارة مدونتى والاطلاع على الموضوع ونصرة حبيبنا
يوليو 24th, 2007 at 24 يوليو 2007 4:49 ص
أخي الفاضل عبدالحق هقي
زمننا كما قلت زمن الرويبضة و السطوة و هو امتداد للماضي الذي ضاعت فيه الحرية
أشكرك على أضافتك القيمة و على الكلمات الطيبة من من عاش هذه المرحلة من تاريخ الجزائر
تقبل خالص تقدير
يوليو 24th, 2007 at 24 يوليو 2007 4:51 ص
أخي حسن
دمت في نصرة الرسول صلى الله عليه و سلم
يوليو 24th, 2007 at 24 يوليو 2007 10:55 ص
شارك معنا في مشروع .. شوكلاته لكل متسول
تواجدك يهمنا
سأعود للمدونة لاحقا انشاء الله
يوليو 24th, 2007 at 24 يوليو 2007 12:19 م
أخي الاستاذ قويدر النديم نعم وكأن التاريخ يعيد نفسه
وما أشبه حال الأمس باليوم
لا ندري لعل الساعة تكون قريبا….؟؟
يوليو 24th, 2007 at 24 يوليو 2007 1:54 م
حزب القادة وأمراء المؤمنين فى الصدارة
أما الأحزاب الإسلامية فيٌعتقل ويٌشرد ويٌطرد ويٌقتل أعضاؤها
يوليو 24th, 2007 at 24 يوليو 2007 5:07 م
أختي رانيا
أتمنى أن تعطى شكولاته لكل المتسولين و في كل يوم
أشكرك على الدعوة
يوليو 24th, 2007 at 24 يوليو 2007 5:08 م
amr mahmoud
سررت بالتعرف عليك
أشكرك
يوليو 24th, 2007 at 24 يوليو 2007 5:10 م
دكتور سيد مختار
و الله مشكلة أمراء المؤمنين المتأخرين خصوصا
تقبل تقديري و محبتي
يوليو 24th, 2007 at 24 يوليو 2007 7:29 م
الفكرة حلوة بس انت قطعت القصة في منطقة حساسة
يوليو 25th, 2007 at 25 يوليو 2007 1:23 ص
اعتقد انك تقصد بالفتي الصغير شباب الامه الحائرين ما بين الانغماس مع تركه الاجداد في القديم وهم لا يعلمون شيئا من العلم او التاريخ الحديث
وبين الرجل التلي وهو ما يجب ان نكون عليه من حداثه في التفكير وثوريه فرغم ما ناله الا انه مازال يبحث
ولكن الاسواء انه ترك الفتي وذهب
هل يعني هذا اننا لن نعود الي الحداثه؟
موضوع اكثر من رائع
تقبل احترامي
يوليو 25th, 2007 at 25 يوليو 2007 7:08 ص
أختي رانيا
قطعت القصة لأنها لازالت مستمرة في واقعنا
أشكرك
يوليو 25th, 2007 at 25 يوليو 2007 7:12 ص
الفاضلة سندريلا
التلي ترك الفتى لأن حاضرنا فصل عن ماضينا
لقد فصله الاستبداد و فصلته الفتن
حاضرنا تاه و انعزل
أشكرك
يوليو 30th, 2007 at 30 يوليو 2007 5:00 م
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ماشاء الله تبارك الله وفقك الله لما فيه رضاه ان شاء الله
كلماتك جميلة ورائعة ومنسقة الله يوفقك لاتنسانا من دعائك
وجعلك الله ذخرا للاسلام والمسلمين
مع التحيات ابو المعالي - بغداد
يوليو 31st, 2007 at 31 يوليو 2007 4:37 ص
أخي ابو المعالي
شرفتني
جزاك الله خيرا و أعانك على الأعمال الصالحة