الثائران الأسطوريان

أغسطس 2nd, 2007 كتبها قويدر النديم نشر في , أفكار, تاريخ

                                
اسمان و صورتان  رمزان يتردد ذكرهما بقوة في الإعلام و في النقاشات السياسية أحدهما في العالم العربي و الإسلامي مرجعيته القرآن و حاكمية الله هو سيد قطب و الثاني في أمريكا اللاتينية و في العالم كله مرجعيته ماركس و المبادئ الاشتراكية هو تشي غيفارا
 و سبب جمعي  لهما و مقارنتي بينهما في هذا المقال هو أني  حصلت على كتابين في اليوم نفسه و كانا عن سيرتيهما  , و لما بدأت في تصفحهما رأيت تشابها بين الشخصيتين و المسيرتين الثوريتين , و الكتابان هما :  غيفارا للمؤلف أندرو سنكلير ترجمة ماهر كيالي و الكتاب الثاني هو سيد قطب من القرية إلى المشنقة للصحفي عادل حمودة .و
حاولت قدر المستطاع ألا أتأثر بتوجهات الكاتبين.

 لم أرد بهذه المقارنة و هذا الجمع المساواة بينهما أو الحط من قيمة سيد قطب الروحية كما قد يعتقد البعض  ,  فهذه المقارنة هي عن الطبيعة الثورية لهما مع الاكتفاء بالعوامل الانسانية و السياسية التي أحاطت بهما, فلقد كان  التشابه بينهما في المنشأ و المرض و الطبيعة الثورية -التي بدأت مع نعومة أظافرهما- و حتى في خاتمتيهما ثم بعد ذلك في انتشار أفكارهما التي أثرت على العالم و لازالت تؤثر فأصبحا رمزين أسطوريين للكثير من المستضعفين الثائرين , و لو جمع في شخص واحد الحس الفكري الابداعي  لسيد قطب و الروح القتالية المتواصلة لغيفارا  و أضيف تمردهما على الظلم و حبهما للعدالة الاجتماعية لكان هذا الشخص المنتج قد جمع صفات القائد القريب للمثالية .  

1- العائلة المتفتحة :

كلا من سيد قطب و غيفارا ولد لعائلة ميسورة ماديا مقارنة بوسطها ثم أن هاتين العائلتين كانتا متفتحتين نسبيا 

عائلة غيفارا الإرلندية الإسبانية عاشت في المدينة الصغيرة ألتا غراسيا ورغم مما يبدو من تمسك ظاهري بالعادات و التقاليد فقد تميزت العائلة بالتقدمية و النشاط و الانفتاح الذهني ولم يثر أرنستو غيفارا  على عائلته  و على الحرية في منزله بل على الاضطهاد الذي تتعرض له قارته , كانت عائلتة محبة للعدالة و ترفض للفاشية و لها لا مبالاة دينية و اهتمام بالأدب و حب لموسيقى و كراهية للمال و وسائل جمعه

أما عائلة سيد قطب فقد عاش في القرية الصعيدية موشا  كان والده من أعيان القرية اكتسب الصفة الاجتماعية المتميزة بسبب شخصه و سلوكه و استنارته و الجريدة التي كان مشتركا فيها و الام كانت من اسرة مماثلة لأسرة الاب أو أرقى , ضاعت معظم ثروة عائلة سيد قطب نتيجة لمكانة الأب الاجتماعية التي جعلته يصرف أكثر و لا يلقي بالا للمال , مما أدى بثروته إلى التآكل و نفس الشيء حصل لعائلة أمه .
كانت أم سيد محبة للعلم و كانت تريده أن يكون متعلما و مرتلا للقرآن و لما خير فيما بعد بين الكتّاب و المدرسة التي فتحت حديثا و قاطعها اهل القرية بسبب تخليها عن عريف الكتاب  و استبدل بمعلم متخرج اختارت الأم المدرسة كي يتعلم ابنها و يعرف علوم الأفنديات !


2- الثورة في الصغر

نمت الثورة عندهما في الصغر فمرة طلب من تشي و هو في الثانوية  أن يخرج للتظاهر فرفض و قال : ( نخرج للشوارع لنمكن رجال الشرطة من ضربنا بهراوتهم , دون ان نفعل شيئا .أجل أتظاهر و لكن عندما تكون في يدي بندقية ) فتشي رغم صغره لا يخاف الموت و لكن يحتاج إلى هدف

أما سيد  فبعد أن أغلت المدرسة أبوابها بعد ثورة 1919 راح يحاول كتابة خطبا حماسية و يلقي هذه المحاولات في المساجد و الحقول

2 -الربو
كان تعامل كل منهما مع المرض يختلف فتشي تعامل معه كمقاتل و تعامل معه سيد كأديب رومنسي

كان تشي يصارع نوبات الربو طيلة حياته و لا يستسلم لها لقد أصبح رياضيا بالرغم من خروجه من الملعب لتناول الدواء بعد النوبات الرهيبة و أكمل دراسة ست سنوات جامعية خلال ثلاث سنوات فقط رغم تعرضه لخمسة و أربعين نوبة ربو  ولم يمنعه الربو في السنين القادمة على الاصرار في الكفاح في غابات أمريكا اللاتينية الرطبة

 عاش سيد  حياته مصبا بالربو أيضا و كان المرض أيام القرية يبقيه في الفراش و ينغص عليه كثيرا من متع الحياة  , و  لما كان في البعثة في أمريكا  ضاعت عليه عدة أيام و هو في مستشفى سان فرنسيسكو و بسبب رياحها الرطبة و المتغيرة غادرها إلى مدينة صغيرة
مشمسة  كما أنها أثناء ممارسته للتدريس  انتقل إلى ضاحية حلوان لأن جوها كان يناسبه بسبب المتاعب المزمنة في صدره و أغلب الظن انه كان يتنفس برئة واحدة , و أثناء سجنه نقل عدة مرات إلى المستشفى .


3 - التحول

أثناء رحلة تشي القاسية و التاريخية على الدراجة النارية في دول أمريكا اللاتينية أصبح على صلة و ثيقة بالجوع و المرض و الفقر و اكتشف انه ليس بوسعه أن يشفي الأطفال المرضى إذا لم تتوفر له الوسائل , و شاهد الانحطا

المزيد


صانعو الاستقلال

يوليو 10th, 2007 كتبها قويدر النديم نشر في , تاريخ

بعد أكثر من قرن و  عشرين سنة  من الاحتلال الفرنسي للجزائر  و ما جره من محو للشخصية الجزائرية حتى يئس أكثر المتفائلين من إخراج الاحتلال و رضي الكثيرون من أبناء الجزائر بقبول فكرة الاندماج مع فرنسا و المواطنة من الدرجة الثانية
 كان أب الوطنية الجزائرية مصالي الحاج و حزبه حركة انتصار الحريات الديمقراطية يدعون إلى الاستقلال بالنضال السياسي السلمي  مع تشكيلة نواة عسكرية سرية سميت المنظمة الخاصة بقيادة محمد بلوزداد و عدم اللجوء إلى الثورة إلا بعد أن تتوفر شروط الثورة
وقد أحضر محمد بلوزداد الأموال اللازمة لذلك و تم تكليف مناضلان   بالذهاب إلى ليبيا لشراء السلاح في رحلة على الجمال دامت 20 يوما وتمكنا من النجاح وعادا إلى الوادي وخزنا السلاح . وبعد فترة تم نقل  حمولة 7 جمال من السلاح والذخيرة  وقد أعطى العمودي بصفته مسؤولا عن المنطقة الأمر لمصطفى بن بولعيد لتدبر أمر نقل هذا السلاح  إلى الأوراس وهذا ما تم فعلا
بعد وفاة محمد بلوزداد و قيام  أعضاء من المنظمة الخاصة بقيادة أحمد بن بلة بالسطو على بريد وهران في 1949 لشراء السلاح فأدت هذه العملية  بسلطات الاحتلال إلى تفكيك المنظمة الخاصة و القبض على العديد من مناضليها
بينما انقسمت حركة انتصار الحريات  الديمقراطية بين المصاليين و المركزيين حيث رفض المركزيون تسلط مصالي الحاج
على اثر هذا الخلاف تشكلت مجموعة  من أعضاء اللجنة المركزية و المنظمة الخاصة بقيادة مصطفى بن بولعيد و محمد بوضياف لاحتواء الأزمة داخل الحركة لكن شدة الخلاف بين المصاليين و المركزيين دفع هذه المجموعة إلى تشكيل اللجنة الثورية للوحدة  في  يوم 6 مارس  1954   و العمل على تفجير الثورة .

في يوم 23 جوان 1954 اجتمع في منزل إلياس دريش 22 مناضلا برئاسة مصطفى بن بوالعيد  وأنبثق  عن  الإجتماع  بعد  قليل من   التردد  قرار  الانطلاق  في  الثورة 
في هذا الاجتماع قال  مصطفى بن بولعيد أنه سيتكفل بالعمل المسلح لمدة ستة أشهر إلى ثمانية أشهر في منطقة الأوراس حتى تلتحق باقي مناطق الوطن
و تدخل العربي بن مهيدي و قال مقولته الشهيرة   ارموا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب.
تم  تعيين  مجموعة  مصغرة للقيام بالتحضيرات النهائية
و  قد  تكونت المجموعة من 5 أفراد هم ديدوش م

المزيد


الكذاب الأكثر حظا في التاريخ

مايو 29th, 2007 كتبها قويدر النديم نشر في , تاريخ

بعد ان ظهر المهدي في مكتوب و كان قبله من المهديين مالا يحصى تذكرت قصة مؤثرة جدا كنت قد قرأتها في كتاب الكامل في التاريخ و هي عن بدأ تأسيس الدولة الفاطمية
و فيها أن رجلا ضحى بنفسه و ماله   ودينه و دولته!من أجل كذاب يدعي أنه المهدي بل و يؤسس له دولة حتى و هذا المهدي مرمي في السجن  لاحول له ولا قوة  ثم يخرجه من السجن و يقدمها له على على طبق ذهبي و يجلس بعدها  تحت ركبتيه و تحت رحمته!
ثم ماذا ينال ؟ تابعوا  القصة من بدايتها :
نقلا من كتاب الكامل في التاريخ مع قليل من التصرف
في سنة (296 هـ)مستهل شهر رمضان ولّى أبو مضر زيادة الله بن أبي العباس بن عبدالله افريقية (تونس)بعد قتل أبيه ، فانعكف على اللذات والشهوات وملازمة الندماء ، والمضحكين وأهمل أمور المملكة وأحوال الرعية .
اشتدتْ شوكةُ أبي عبدالله الشيعي (هذا  صاحب صاحبنا ) في أيامه وقوي أمره ، و صفتْ له البلاد ، ودانت له الأمصار ، والعباد . فسيّر إليه زيادة الله جيشاً مع ابراهيمَ بن أبي الأغلب - وهو من بني عمه - بلغت عدَّتُهم أربعين ألفاً سوى من انضاف إليه ، فهزمه أبوعبدالله الشيعي ، على ما نذكره آنفاً ، فلما اتصَل بزيادة الله خَبرَ الهزيمة، علم أنه لا مقام له لأن هذا الجمع هو آخر ما انتهت قدرته إليه ، فجمع ما عز عليه من أهل ومال وغير ذلك ،
وعزم على الهرب إلى بلاد الشرق ، وأظهر للناس أنه قد جاء خبر هزيمة أبي عبدالله الشيعي .
وأمر بإخراج رجال من الحبس فقتلهم . وأعلم خاصَّتَهُ حقيقة الحال ، وأمرَهم بالخروج معه ، فأشار عليه بعضِ أهل دولته بان لا لِفعل ولا يترك مًلكَهُ وقال له : "إنْ أبا عبد الله لا يجسر عليك ".
فشتمَه ورد عليه رأيه وقال : أحب الأشياء إليك أن يأخذني بيدي . وانصرف كل واحد من خاصته ، وأهله يتجهز للمسير معه ، وأخذ ما أمكنه حمله .
 ذكر ابتداء الدولة العلوية بإفريقية
 أول مَنْ وَليَ منهم أبو محمد عبيدالله ، قيل : إنَ نسبَهُ إلى علي بن أبي طالب ، ولم يرتابوا فيه . وعدا طائفة منهم إلى أن جعلوا نسبه يهودياً .
 حيث إنه لما يئِسَ أعداء الإِسلام من استئصال الإسلام  بالقوَّة أخذوا في وضع الأحاديث الكاذبة ، وتشكيك ضعفة العقول في دينهم بأمور
، قد ضبطها المحدثون ، وأفسدوا الصحيح بالتأويل ، والطعن عليه ، فكان أول من فعل ذلك أبو شاكر ميمون بن ديصان ، صاحب كتاب الميزان في نصرة الزندقة .. فالقوا إلى من وثقوا به .
ان لكل شيء من العبادات باطناً ، وان الله تعالى لم يوجب على أوليائِهِ ، ومن عرف من الأئمة ، والأبواب صلاة ولا زكاة ولا
غير ذلك ولا حرم عليهم شيئاً ، وأباحوا لهم نكاح الأمهات ، والأخوات . وإنما هذه لم قيود للعامة ساقطة عن الخاصة ، وكانوا
يظهرون التشيع لأل النبي صلى الله عليه وسلم  ليستروا أمرهم ويستميلوا العامة . وتفرَّق أصحابهم في البلاد ، وأظهروا الزهدَ
والعبادةَ يغرون الناس بذلك ، وهم على خلافه . فقتِلَ أبو الخطاب وجماعة من أصحابه بالكوفة . وكان اصحابه قالوا له :
إنا نخاف الجند ، فقال لهم : إن أسلحتهم لا تعمل فيكم ، فلما ابتدأوا  في ضرب اعناقهم ، قال له اصحابه : ألم تقل : إن سيوفَهم لا تعمل فينا؟
 فقال : إذا كان قد أراد الله فما حيلتي ، وتفرقت هذه الطائفة في البلاد وتعلموا الشعبذة . والنار نجيات ، والزور ، والنجوم ، والكيمياء فهم يحتالون على كل قوم بما ينفق عليهم وعلى العامة باظهار الزهد .
ونشأ لابن ديصان ابنٌ  يقال له : عبدالله القداح ، علمه الحِيَل ، وأطلعه على أسرار هذه النحلة فحذق وتقدم . وكان بنواحي كَرَخ ، واصبهان رجل يُعرَف بمحمد بن الحسين ، وبلقب بدندان ، يتولى تلك المواضع ، وله نيابة عظيمة ، وكان يبغض العرب ويجمع مساويهم ، فسار إليه القداح ، وعرفه من ذلك . ما زاد به محله ، واشار عليه أن لا يظهر ما في نفسه ، إنما يكتمه ، ويظهر التشيع والطَعْنَ على الصحابة ، فإن الطعن فيهم طعن في الشريعة ، فإن بطريقهم وصلت إلي من بعدهم ، فاستحسن قوله وأعطاه مالاً عظيماً ينفقه على الدُّعاة إلى هذا المذهب ، فسيرهُ إلى كور الأهواز والبصرة والكوفة وطالقان وخراسان وسلمية من ارض حمص ، وفرقه في دعاته وتوفى القداح ، ودندان ، وإنما لقب القداح لأنه كان يعالج العيون ويقدحها . فلما توفّي القدّاح قام بعده ابنه أحمد مقامه ، وصحبه إنسان يقال له : رستم بن الحسين بن حوشب بن دادان النجار من أهل الكوفة، فكانا يقصدان المشاهد .
وكان باليمن رجل اسمه محمد بن الفضل كثير المال والعشيرة من أهل الجند يتشيع فجاء إلى مشهد الحسين بن علىّ يزوره فراه أحمد ، ورستم يبكي كثيراً . فلما خرج اجتمع به احمد وطَمِعَ فيه ، لما رأى من بكائه ، وألقى إليه مذهبه فقَبِلَه ، وسير معه النَّجار إلى اليمن ، وأمره بلزوم العبادة والزهد ودعاء الناس إلى المهدي ، وأنه خارج في هذا الزمان باليمن ، فسار النًجار إلى اليمن ونزل بِعَدَنَ بقرب قوم من الشيعة يُعرَفُون ببني موسى ، وأخذ في بيع ما معه . وأتاه بنو موسى ، وقالوا له : فيمَ جئْتَ ؟ فقال : للتجارة قالوا : لسْتَ بتاجر ، وإنما أنتَ رسول المهدي ، وقد بلغنا خبرك ، ونحنُ بنو موسى ، ولعلك قد سمعت بنا ، فانبسطْ ولا تحتشم ، فإنا أخوانك ، فاظهر أمره وقوى عزائمهم وقرب أمر المهدي ، فامرهم بالاستكثار من الخيل والسلاح ، وأخبرهم أن هذا أوان ظهور المهدي ومن عندهم . يظهر. واتصلَتْ أخبارُه بالشيعة الذين بالعراق ، فساروا اليه فكثر جمعهم ، وعَظُمَ بأسُهُم ، وأغاروا علق من جاورهم وسبوا وجبوا الأموال ، وأرسل إلى من بالكوفة.من ولد عبدالله القداح هدايا عظيمة  .
 وكانوا أنفذوا إلى المغرب رجلين أحدهما يعرف بالحلواني والآخر يعَرفُ بأبي سفيان ، وقالوا لهما : إن المغرب ارض بور فاذهبا فاحرصا حتى يجيء صاحب البذر.
فسارا فنزل أحدهما بأرض كُتامة ببلد يسمَّى مرمجنة(بتونس) والآخر بسوق حمار . فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما ،
وحملوا إليهما الأموال والتُّحفِ ، فأقاما سنين كثيرة ، وماتا وكان أحدهما قريب الوفاة من الآخر .
كان أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الشيعي من أهل صنعاء . وقد سار إلى ابن حوشب النجار وصَحبِهِ بِعَدَن ،
وصار من كبار أصحابه ، وكان له علمٌ  وفهم ودهاء ومكر.
 فلما أتى خبر وفاة الحلواني وأبي صفيان إلى ابن حوشب قال
لأبي عبدالله الشيعي : " إن ارضَ كُتامةَ من المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان ، قد ماتا وليس لها غيرك ، فبادرْ فإنها موطأة ممهدةٌ لك .
 فخرج أبو عبدالله إلى مكة وأعطاه ابن حوشب مالاً ، وسيّر معه عبد الله بن أبي ملاحف . فلما قَدِمَ ابو عبدالله مكة سأل عن حجاج كتامة فأرشدَ إليهم ، فاجتمع بهم ، ولم يعرفَهم قصدَه ، وجلس قريباً منهم . فسمعهم يتحدثون بفضائل أهل البيت ، فأظهر استحسان ذلك ، وحدَّثهم بما لم يعلموه. فلما أراد القيام سألوه أن يأذن لهم في زيارته والانبساط معه فأذِنَ لهم في ذلك ، فسألوه : أين مقصدَك ؟ فقال : أريدُ مصر ففرحوا بصحبته .
وكان من رؤساء الكتاميين بمكة رجل اسمه حُرَيث الجميلي ، وآخر اسمه موسى بن مكاد، فرحلوا وهولا يخبرهم بغرضِهِ ،
وأظهر لهم العبادة والزهد ، فازدادوا فيه رغبة وخدموه ، وكان يسألهم عن بلادِهم وقبائلهم وعن طاعتهم لسلطان افريقية فقالوا :
ماله علينا طاعة و بيننا وبينه عشرة أيام .
 قال : أفتحملون السلاح ؟
 قالوا : هو شغلنا .
ولم يزل يتعرَّفُ أحوالهم حتى وصلوا إلى مصر ، فلما أراد وداعهم قالوا له : أي شيء تطلب بمصرَ؟
 قال : اطلب التعليم بها . قالوا : اذا كنت تقصد هذا ، فبلادنا أنفع لك ، ونحن أعرف بحقك .
ولم يزالوا به حتى أجابهم إلى المسير معهم بعد الخضوع والسؤال فسار معهم .
فلما قاربوا بلادهم لقِيَهُم رجال من الشيعة فأخبروهم بخبره فرغبوا في نزوله عندهم ، واقترعوا فيمن يضيفه منهم ،
 ثم رحلوا حتى وصلوا إلى أرض كتامة منتصف شهر ربيع الأول سنة ثمانين ومائتين ، فسأله قوم منهم أن ينزل عندهم حتى يقاتلوا دونه .
فقال لهم : أين يكون فخ الأخيار ؟ فتعجبوا من ذلك ولم يكونوا ذكروه له. فقالوا : عند بني سِليان
فقال : إليه نقصد ثم نأتي كل قوم منكم في ديارهم ونزورهم في بيوتهم ، فأرضى بذلك الجميع . وسار إلى جبل يقال له : انكجان وفيه فجُّ الأخيار
 فقال : هذا فجُّ الأخيار وما سمي إلا بكُم ،
 ولقد جاء في الآثار . أن للمهدي هجرة تنبو عن الأوطان ينصره فيها الأخيار من أهَل ذلك الزمان ، قوم مشتق اسمهم من الكتمان ، فإنهم كُتامة وبخروجكم من هذا الفجِّ يسمى فجّ الأخيار . فتسامعت القبائلَ وصنع من الحيل والمكيدات والنارنجيات ما أذهل عقولهم .
 وأتاه البربر من كل مكان وعَظمَ أمره إلى أن تقَاتلت كتامةُ عليه مع قبائل البربر ، وسَلِمَ من القتل مراراً وهو في كل ذلك لا يذكر اسم المهدي ،
 فاجتمع أهل العلم على مناظرته ، وقتَله فلم يتركه الكتاميون يناظرهم . وكان اسمه عندهم أبا عبدالله المشرقي .
وبلغ خبره إلى ابراهيمَ بن أحمد بن الأغلب أمير افريقية ، فأرسل إلى عامله على مدينة ميلة يسأله عن أمره فصغره وذكر له أنه
يلبس الخشن ، ويأمر بالخير والعبادة فسكت عنه . ثم انه قال للكُتاميين : أنا صاحب البدر الذي ذكر لكم أبو سفيان ، والحلواني فازدادت محبتهم له وتعظيمهم لأمره .
 وتفرقت كلمة البربر ، وكتامة بسببه فأراد بعضهم قتله فاختفى ووقع بينهم قتال شديد ، واتصل الخبر بإنسان اسمه الحسن بن هارون - وهو من أكابر كتامة - فأخذ أبا عبدالله إليه ودافع عنه . ومضيا إلى مدينة ناصرون فأتته القبائل من كل مكان وعظم شأنه ، وصارت الرياسة للحسن بن هارون وسلم إليه أبو عبدالله أعنة الخيل ، وظهر من الاستتار وشهر الحروب فكان الظفر له فيها وغنم الأموال . وانتقل إلى مدينة ناصرون وخندق عليها فزحفت قبائل البربر ، إليها فاقتتلوا ، ثم اصطلحوا ، ثم اعادوا القتال .
 وكان بينهم وقائع

المزيد