القمة

ديسمبر 29th, 2007 كتبها قويدر النديم نشر في , خواطر

بعد مشقة كبيرة و إرهاق شديد وصل سعيد أخيرا إلى قمة الجبل الأعلى في المنطقة و الذي صعب على معظم أهل البلدة  الوصول إليه و الذي  استسلم الكثير من الناس قبل أن يتسلقوه

 تنفس بعمق بطريقة لا تدل على الراحة و إنما حاول من خلالها أن يترجم تعبه طوال تلك الساعات الماضية و المضنية أو قل  أراد أن يسمع القدر أنه تعب أخيرا و آن الآن للكنز أن يخرج ماشيا لوحده  ليتناوله ويضعه بين أحضانه  و يهنأ أخيرا فيرتاح قلبه و يمتع نفسه بكل الملذات و يمتنع أخيرا عن الاستعانة بأي إنسان .

 لكن وقوفه على قمة الجبل لم يفده شيئا –كما اعتقد- حيث قلّب نظره في كل اتجاه فلم يستطع أن يرى المنفذ الذي تحدث عنه الحكماء و المؤدي مباشرة إلى الكنز بل كل ما رآه هو غطاء أبيضا من الثلج , أحس بثقل في نفسه و كاد يفقد مخزون الأمل الذي كان يملأ نفسه , راح يزيح الثلج عن قمة الجبل و في أقل من ساعة جعل مسح كل ذلك البياض و جعله في كومة واحدة و بدأ يدقق نظره فلم يرى أي منفذ !
 
 لم يفعل شيئا بعدها فالقمة صغيرة المساحة ,   جلس على قمة الجبل يستنشق الهواء النقي  و راح يراقب لأول مرة في حياته الطير و هي تطير تحته , ثم التفت في اتجاه الجبال المجاورة فرأى أنه في أعلاها و رأى السحاب قريبا منه ,  لقد  صارت الأشياء التي كانت بعيدة عنه قريبة

 أطل من الجبل للأسفل فرأى بلدته من بعيد صغيرة جدا و رأى الحقول  و المراعي محدودة المساحة في أشكال هندسية بسيطة فأحس بالعظمة تغمره , لكن قلبه الذي ملئ بحب الكنز جعل تلك العظمة تتلاشى

 لم يرضه الوقوف على قمة الجبل  ..  و بقي يأمل أن يخرج إليه الكنز من تحت قدميه لينزل سريعا من الجبل قبل الغروب  و يعود إلى أهله و بلدته و ليرضي نفسه و يرضي أهله و يمارس حياته كما تريدها نفسه و كما يشتهيها الناس .

كان الوقت يجري في المدينة و يجري على قمة الجبل و يجري في كل مكان من العالم و حان للشمس أن تغرب

بدأ الظل يتسلق الجبل رويد رويدا مانحا سعيدا فرصة أخرى لمعرفة الكنز

 لكنه قد قلب قمة الجبل و رفع أحجارها و لم يجد شيئا . . . فيئس

لم يكن سعيد يجهل غروب الشمس بل كان يعرفه جيدا , و كان مرتبطا  عنده بوقت التنصل من الأهل و الذهاب إلى الأصحاب للسمر  .

رأى سعيد هذه  المرة الغروب كيف غير السماء و رآه و قد أرسل قبلها الظل ثم أتبعه بالظ

المزيد


خميس مسعد

ديسمبر 22nd, 2007 كتبها قويدر النديم نشر في , خواطر, سياسة

مسعد تلك البلدة الصغيرة  جنوب الجزائر العاصمة على الحدود الشمالية للصحراء الكبرى .

صغر هذه البلدة لا يعكس حقيقتها فهي مثل الأقزام قصيرة القامة و كبيرة العمر فأحداثها  والحديث عنها له عمقه و أثره على النفس  .

حاضرة في أقدم الحضارات و أعتاها فحيها القديم دمد  شاهد على ذلك , أخذ اسمه من القائد الروماني  ديمدي . و زاويتها القرآنية محج لطالبي العلم وجبلها بوكحيل أرض معركة لآلاف الشهداء و المجاهدين أيام الاحتلال الفرنسي .

وقد حدثنا آباؤنا عن قصص و أيام عرفتها هذه الصغيرة  المسنة , كنا نعتقدها ضربا من الأسطورة و وحينا من الخيال .

لكن في خميس أبريل 1994 شهدت ما هو أغرب !

أفقت لصلاة الفجر و ما إن أديتها حتى سرت إلى مفترق الطرق وهو طريقي إلى المنطقة الفلاحية التي تعودت الذهاب إليها لضيق خاطري و الخلو بنفسي .

لكن تفاجأت برجل مرمي على الطريق اعتقدت أنه ذلك المجنون الذي يصاب بالصرع من حين إلى حين  فقصدته لأبعده عن الطريق . وكانت دهشتي أنه رجل آخر !

إنه مقتول  . . .   و سحب على وجه . . .  و كتب على ورقة بجنبه ((هذا جزاء خائن الجماعة)) .

لم تأخذني  أية شفقة عليه  لتصديقي تل

المزيد


قافلة أم حافلة

يوليو 23rd, 2007 كتبها قويدر النديم نشر في , خواطر

شدنا الحنين أيام الخليفة هارون الرشيد للعودة إلى بغداد و أكثر ما شدّنا إليها هي حلقات العلماء و مجالس الشعراء و القصاصين .
أعددت مع جدي العدة اللازمة و بها كلما يلزمنا لهذا السفر الطويل و اخترنا القافلة و الرفقة التي سنذهب معها

كنت دائما استأنس بجدي الذي كان رفيقي الدائم منذ أن استشهد والدي في إحدى غزوات أمير المؤمنين .

لما اقترب الرحيل ازددت شوقا و عددت الأيام عدا حتى جاء اليوم الموعود فانطلقنا إلى مكان تعبر منه القوافل , لما وصلت قافلتنا رأينا بها خلق كثير , كانت أصوات الناس و العير تتعالى .

انطلقت الحافلة من جديد فأخذت جدي حكمة الكبار فصاحب في مؤخرتها مجموعة من الشعراء و الأدباء و ممن يروون أيام العرب أما أنا فقد استهواني الحديث مع كهل كان يسير أمامي راكب على بغلة .

كان طويل الشعر كثيف اللحية رث الثياب و لا تظهر عليه البداوة .

اقتربت منه وقلت : من أي البلاد أنت يا أخ العرب ؟

قال و عليه رجفة : الجزائر العاصمة

قلت : أنا لا أعرفها

قال :أنتم أهل الصحراء تسمون منطقتنا التل لأن أراضيها خضراء و الجزائر تقع في هذا التل , أفهمت ؟

قلت مستفهما و مستغربا :أنت حجازي أم يمني إذن ؟ و لا أظنك من أهل البصرة !

قال : ما الذي يعنيك في أصلي ؟ على العموم أظن أن نسبي خليط من العرب و البربر

قلت : أأنت ذاهب إلى بغداد ؟

قال : أما تعلم أن هذه الحافلة ذاهبة إلى قلب الصحراء أدرار , و على العموم فسأتوقف عند مدخل تيميمون

قلت : يا رجل لم أسمع بأدرار هذه و لا تيميمون

قال : يا أخي أدرار بعيدة بتسعمائة كيلومتر و يلزم ما يقارب اليومين للوصول إليها , و الله يصبرني على رفقتك هذه  !

قلت : لم أفهم شيئا مما قلت ! و لكن ما الكيلومتر و ما تيميمون و ما الحافلة و من هم  البربر  ؟

قال و قد اشتاط غضبا : لا تحاول أن تفهم و الأفضل أن تغير مكانك و لو تجلس في مؤخرة الحافلة سيكون أفضل فهناك أماكن شاغرة .

زادت حيرتي و انشغلت أفكر في كلامه إلى أن  قطع صمتي شيخ أبيض اللحية حيث همس في أ

المزيد


الطوفان

يوليو 15th, 2007 كتبها قويدر النديم نشر في , خواطر

من منا لم يحلم يوما بامتلاك آلة زمنية ترحل به عبر مراحل شتى من التاريخ فيعيش أهم مفاصله و يجالس عملاق من عمالقة التاريخ أو ربما يرغب في ترك توقيعه في أحداث مرحلة معينة .
أنا عن نفسي حلمت بها  مرارا و لا زالت  مخيلتي تتوق لهذا الحلم الذي ربما هو أجمل حلم .
أحيانا ألجأ لقراءة كتاب تاريخي رغبة في عيش المراحل التاريخية التي بين طياته و لا بأس عندي إذا تدخلت بين صفحات الكتاب و أقحمت نفسي اقحاما .
و لو قدر لي أن أنتقل عبر مراحل الزمن لحققت أحلامي القديمة في عيش أيام  كانت قد عششت في ذهني وعشتها بين الكتب و أملت لو أني أحد صناعها

- مع أصحاب نوح

في قرية أهلها ذوي قامات طويلة جدا و اعمار تحسب بالقرون  بالقرب من بابل في العراق , بعد أكثر من عشرة  قرون من زمن أبي البشرية آدم عليه السلام
 
مجوعة قليلة جدا من المؤمنين المستضعفين تقوم برفع  أزواج من الحيوانات  في سفينة كان قد اكتمل بناؤه , يقود هذه المجموعة  شيخ مازال يتمتع بقوة و إرادة كبيرتين جدا رغم أنه قد يئس نهائيا من هداية قومه الذين  كانوا قد أتعبوه  بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما و عصاه بعض أهله منهم امرأته و ابنه .

وجدت نفسي ضمن هذه المجموعة و استرجعت السنوات التي سبقت بل القرون التي انقضت فعادت اللحظات التي أمضيتها مع اخواني الفقراء الذين اتبعوا  نوح عليه السلام و اللحظات الإيمانية التي مررنا بها و القساوة التي عوملنا بها و التكذيب الذي تعرض له نبينا عليه السلام طيلة هذه السنوات الطويلة جدا , تذكرت المرات العديدة التي طلب فيها سادة القرية  من نوح أن يطردنا نحن المستضعفين  و لكنه أبى و قال لهم ( وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون ويا قوم من ينصرني من الله ان طردتهم أفلا تذكرون )
حولنا عدد من المستهزئين  المشركين الذين  كتب عليهم الشقاء يتضاحكون و يستهزؤون و يرمون قائدنا بالجنون و يرون في بنائه سفينة بعيدا جدا عن البحر دليل على جنونه و يقولون له يا نوح ! قد صرت نجاراً بعد النبوة؟!
هم مصرون على أنهم على حق و يرون أنه  مخطئ  و ما هو إلا بشر و لو شاء الله لبعث ملائكة عوضا عنه و ما اتبعه في نظرهم سوى الأرذلون
يعبدون تماثيل صنعوها على صورة أناس صالحين كودّا و يغوث و يعوق .. يتقربون من خلالها إلى الله ، هذه التماثيل صنعوها بعد أن وسوس الشيطان لبعضهم بأن يحفظوا صور هؤلاء الصالحين و يجعل كل واحد منهم تمثالا له في بيته  ثم تطورت مع مرور السنين إلى عبادة
أما نوح عليه السلام  فمصر أنه مرسل من رب العالمين و أنه مرسل إليهم  كي يخرجهم من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان
لقد كان قوم نوح  يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال : اللهم اغفر لي ولقومي فإنهم لا يعلمون .
 في احدى المرات  جاء رجل ومعه ابنا يتوكأ على عصا مما أصابه من الشيخوخة, فقال العجوز لابنه وهو يشير الى نوح:
أنظر يا بني الى هذا الشيخ ايّاك أن يغرك.
فقال الابن لأبيه: يا أبت أعطني العصا  فأعطاه أبوه  العصا التي كان يتوكأ عليها وجلس على الأرض, فمشى الابن الى نوح عليه السلام, فضربه عدّة ضربات .

 كان قومه قد بدأوا يستعجلون العذاب تحديا منهم فلم يتوقف نوح في دعوته إلا بعد أن أوحى الله إليه  أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن
حدد الله لنوح بداية العذاب عندما يفور التنور و بذلك سيتغير العالم و سينقسم التاريخ إلى مرحلتين قبل الفوران و بعده .

انفجرت عيون من الأرض و ازداد المطر غزارة  فقال نوح  اركبوا فيها بسم الله مجراها و مرساها إن ربي لغفور رحيم
 صعدنا كلنا إلى السفينة و حملنا  متاعنا ,
 ارتفعت السفينة  بنا رويدا رويدا فامتلأت قلوبنا باليقين و ارتاحت نفوسنا لوعد الله الصادق
 اقشعر بدني بعد أن وصل إلينا نسيم عاصفة قادمة من بعيد .
بينما بعض الكفار من الذين ل

المزيد


كلمة تكتب

يونيو 8th, 2007 كتبها قويدر النديم نشر في , خواطر


جلست في مكتبي أحاول دفع حيرتي التي سكنتني منذ الصباح بكتابة فقرة أملأها بالسعادة و الأمل والاطمئنان لكنني و صلت إلى صنع فقرة بناؤها هش و لا تحمل بداخلها

مضمونا .
رفضت دفن فكرتي و غالبت قلمي الذي كان يرفض متابعتي , فكنت كأنني أنقش على الماء لا شكل أخذته فكرتي و لا طعم .
استرخيت على الكرسي عساني أسترجع إرادتي و بعض خواطري , و لما ارتحت بما يكفي رفعت قلمي و انحنيت على الورقة وفجـــأة بين لحظتين من دقيق أفكاري إذا

بكلمـة تقفز من ثنايا الأسطر بدت غريبة عن فقرتي مكونة من حروف كلماتي  رافعة صوتها مبدية محاسنها  تحاول جلب انتباهي إليها و في خفاياها تريدني ألا أكتب غيرها أو

أن أكررها في كل سطر
حاولت صرف نظري عنها و فكرت في استبدالها بكلمة هي أحسن منها , لكنني في كل مرة أجدها على رأس قلمي تستميله فإذا هو غفل عنها تربطه على شجرة العقم و

تهدده بالصلب  . .  و كان تهديدا ل

المزيد


حياة غافل 1

أبريل 6th, 2007 كتبها قويدر النديم نشر في , خواطر

 

- المشهد الأول
اقترب من بيته يحمل قفة مملوءة بالخضر و الفواكه و بها قطعة من اللحم و زجاجة قازوز و هو يدعو الله ألا يراه جيرانه و ألا يصادف أبناءهم في طريقه فلطال ما شح على أهله و لم يحضر مثل هذا , كانت ابنته الصغيرة تلعب بالقرب من الباب , عندما رأته صاحت به بابا بابا فأحس و كأنه فضح , أراد إسكاتها من غير أن يرفع صوته فلم يقدر و كلما فعله هو الإسراع بفتح الباب و الدخول , تثاقلت اللحظات قبل أن يدخل وعندما دخل وأغلق من ورائه الباب أحس بالأمان التام , اقترب من زوجته و أولاده و هو يخفي ابتسامة و يحاول ألا يظهر اهتمامه بالقفة و كأنه متعود على ذلك

وقال هاكم , ساد الصمت أرجاء البيت لفترة قصيرة بدت له ذات معنى , لم يحاول أن يفهم فانسحب . أما هم فكانت نظراتهم الباسمة لبعضهم قد شرحت كل شيء , حاولت الزوجة التكفير عن ذنبها من هذه البسمة - و في نفس الوقت كانت تبدوا لها لحظة وفاء لزوجها – بأن أمرت ابنتها خديجة بفتح القفة فكانت خديجة تخرج الشيء من القفة و ترفعه عاليا ليراه الجميع و هي مبتسمة و تنظر إلى أمها , فاستفز هذا الابن أحمد فصاح قائلا : ماذا تفعلون . . . ؟ و قبل أن يكمل كانت الأم قد انتفضت و لملمت القفة و طلبت من خديجة أن تتبعها إلى المطبخ .

-        المشهد الثاني
و قف لأداء صلاتي الظهر و العصر قبيل أذان المغرب فكان سرواله الأسود منسدلا محدثا تعاريج شاقولية تحت الركبة و كان يبدو طويلا جدا و كان قدميه يطلان من سرواله و كأنهما شديدي البياض . اتجه في صلاته عموديا مقابل الجدار رغم المرات العديدة التي سمع فيها أن اتجاه القبلة ينحرف قليلا إلى اليسار , كان قد أمال برأسه إلى أسفل و رفع يديه عاليا أعلى من اللازم و كبر وبدأ يقرأ بصوت مسموع فقرأ لأول مرة في حياته : قل يا أيها الكافرون , أدى الركعتين الأوليين ببطء فقرأ في الثانية آية الكرسي لكنه أسرع قليلا في البقية , لاحظ أحمد أن أباه لم يرفع يديه عاليا في صلاة العصر كما في الظهر و أنه لم يجهر كما جهر في المرة الأولى , كما استغرب أنه يحفظ قل يا أيها الكافرون رغم تعقيداتها و تعقيدات والده , وفرح أن يرى أباه يصلي .

-         المشهد الثالث
أمر ابنه أن يطفئ التلفاز لكي يسمع أذان المغرب فلم يتردد بإطفائه و لم يحتج أحد على ذلك في عائلة كلها لا تصلي و مدمنة مسلسلات و بدا الرضا على الجميع .

-         -المشهد الرابع

بعد وجبة دسمة يأمر العائلة بأنه يجب عليهم زيارة دار خالته , فقال : لقد قصّرنا كثيرا في حقها ولم نزرها منذ عام فهي ليس لها و لي و لا معين و النبي يأمرنا بصلة الأرحام كما أنها تحب أن يزورها الأولاد فهي دائما تسأل عنهم كما أني أريد أن أصلي العشاء في جامع سي مسعود .

بعد لحظات كانت العائلة كلها جاهزة تملأها الحيوية و كأنها في عيد , فوقف الجميع خلف الأب تنتظر منه الخروج أولا , خرج من الغرفة يظهر الجد و العزم فأعطى مجموعة من الأوامر التي ستنظم الزيارة منها أنه يجب على الأولاد ألا يزعجوا الحاجة و أن يلتزموا بالهدوء و الأدب , ثم فتح الباب و خرج فتبعه الجميع .

-         - المشهد الخامس
طرقات شديدة لكنها متقطعة , الخالة تصفق و هو يرد افتح . . . افتح ، الخالة تقترب من الباب و تصفق من جديد , أحمد ينادي أحنا دار المبروك يا عمتي افتحي . العم

المزيد